قراءة في قصيدة بعنوان:نشيد الأرض والخلود .للشّاعر منير مزيد
بقلم : محمد الصالح الغريسي
اقتباس:
لل
نشيد الأرض والخلود
أفتح نافذة الأحلام
وأطل على شرفات الكون
أتأمل
أرى ما لا يبصره أحد غيري
كل ما في الكون من آلام
آلام ولادة
و كل شيء على الأرض
نفسه من لهب
يستريح على وقدة نار….
مشهد دائم الاحتراق
يطوقنا بالجحيم
يظللنا إلى الأبد….
يا دوامة العالم المضطرب…!
يا شجرة الحياة المثمرة بالأوجاع…!
كل فصول الحزن تتناسل في شراييني
والفكرة شرارة لا تجد حطباً في الموقد ..
الأرض تدور… تركض
وراء الشمس…
وأنا أركض … ألهث
وراء الرغبة …
كلانا أعيانا السعي
وراء دخان…
كلانا متعب ومجهد
من عفن السنين …!
يا للعناء المرّ ..
تمر في خيالي خيول الرغبة
تعدو مسرعة إلى الماء
ولا ماء..
نسيج ألق ، توهج
رماد
يطفئ جذوة الاحتراق…
الخيوط روح خراب
تغذي خراباً…
لا تسلني شيئاً
في كل ثانية شيء يحتضر
عائداً إلى مصيره السابق….
أيتها الحكمة الأبدية…!
يا وردة الحرية الصافية …!
أشباح في مرايا التأمل..
تحدق في الصمت
تراقب الفكرة
خوفاً من انفجار الصمت
من اشتعال الفكرة..
أيلول أحمر قانٍ
رمادي
أيار باع قميصه وانتحر
والصمت يعوي في الافئدة دماً
يلطخ وجه الكبرياء
يستنشق رماد الموت ..
في الغابة الخرساء
روح الظبي الوديع
طريدة…
وللنمر مخالب الجوع المفترسة
تنهش وداعة الحياة.
.
يسقط الظل متهالكاً
بين همسات ريح مرعدة
لزوبعة الموت
تارة يعلو ، وتارة يهبط
يلتقطه طائر الشعر
لِيَكُونَ لَهُ عاشقاً ومنقذاً …
ويستمر نشيد الحياة …
لن أبتهل لغير ظلك
ولن تتوقف زقزقة العصافير
لطلوع فجر
يبدد الوهم المأساوي .. .
ها أنذا أسلم نفسي للذة التأمل
ترفرف الرؤية بجناحين مشرعين
في فضاءات الروح
يتأهب الشعر للانطلاق إلى اللانهاية…
أراني اقرأ سفر الغيب
وأناجي الله
ليخلصني من عزائي المرّ …
أبحث عن حلم يضيء كياني
يفجر ظلام الصمت العميق
يحمل تباشير الثورة
والانتصار
يحملنا إلى حب عظيم
يحطم كل الحواجز والحدود …
في أرضنا يستوطن الجوع والقتل
نساء يحلبن قمراً ميتاً
يطهون حجارة الصبر
والزمن يقتات على قمح الهذيان
مأساة لا تنتهي… لا تنتهي
أبداً لن أنسى دموع أمي
لن أنسى من قدموا أرواحهم لأجلنا
ومن أجلنا جميعاً
يملأون حياتنا مجداً وأغانياً…
تبتهل عصافير الشعر لذكراهم
وتحلق النوارس وطيور الحرية
في أجواء شعاع الأحلام والظلال…
وحدك أيها الظل المجنح
تلملم غيمات الحلم الشارد
تنثر وريقات العشق الملونة
فوق المدافن الرمادية
وتطلق نوارس الشعر الصافي
من جرار السحر
لجنيات البحر…
آه… ما الذي أثقل صدرك
أشواك الجوع
أم أوساخ الخيبة والانكسار
أم عفن الصمت الميت فينا..؟
مع من يصارع حزنك…؟
غابات بلا أشجار
أشجار بلا عصافير
عصافير بلا أرض
بلا بحر أو سماء..
آه .. ما الذي يُعذّبُك
وكل خيول الشعر
تصهل في روحك
وعلى أرضك
يهبط نشيد السماء
غنياً بالرؤى… بالأسرار….
حاملاً صدى أحلام الأنبياء
وأرق الآلهة….
هناك بين أعشاب الرغبة الظمِئة
وجوه مبعثرة تلمع في الظلام
أضاءتها آلهة الحب والخصب
المعشعشة في ظل الليل….
تَطِيرُ الوجوه عالياً
تقرع أبواب السماء
ترعد…تحرق ذاتها عشقاً
لتوقظ كهنة الماء…
يهطل مطرك الليلي
يغسل آثام النهار
تتهيأ الأرض للعناق الرطب
تكشف عن نهد يتصحر
ينتظر رذاذ القُبل
عن فم يرضع حليب النشوة
والاشتهاء
يزهر كرز الحب بين الشفاه…
بروحي العارية أراك
أراك وحيداً تقطف عنب الشوق
من دالية الحب
تعصره خمراً للعشاق
للحوريات
للشعراء
للفرسان…
تهدهد الصخب والجنون
ليناما ملء الجفون
بين براعم الاسترخاء
تشعل فوانيس الأفكار
تحرق الملل والإيقاع الرتيب
وتملأ ينبوع الحياة
بنبيذ أغاني الفرسان. …
يا ظلاً مليئاً بالأحلام
يرتل تسابيح الأنبياء
يشتهي الأشعار
ما أجملك
وأنت تمسك الشمس من ذيلها
تقبض على جمر القصيدة…
أبداً لا تغمض عينيك
ارفع رأسك عالياً
اُسْجُدْ للحرف والكلمة
ورتل آيات الماء..
تتباهى بنخيل لا ينكسر
لأشباح يذرن ريحهم السوداء
تتباهى بزيتون يَكَادُ زَيْتُهَ يُضِيءُ
وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ …
أصواتهم مهترئة
لا حلم لهم…
لا ظل لهم…
غير بقع سراب في صحراء الوهم
يحترقون فيه…..
وشهوة الموت تصرع خرافاتهم
لم يبق غير رمادهم المحترق
على صدر الأرض
وسرعان ما يتلاشى في العدم الكوني….
آه.. أيها الظل
من خلال عيون الإله أراك
من فكر الإله أقرؤك….
أعود واسألك: ما الذي يعذبك…. ؟
عادت أسراب السنونو مبكرة
تعشّش في مرايا الذات
تهمس وتضحك على أوراق الشجر
يا ظلاً يسابق الريح والعدم
يغزل المعجزات
ويحيل الكون إلى أحواض من الياسمين….
الآن ، وبعدما نضجت صيصان الأفكار
وتفتحت براعم عاطفة الحس
وبدت الأنجم عقداً من الفيروز
متناثراً على السفوح….
يفرد الليل جناحيه
يطير في فضاء السكون
وتبدأ الأرض بالنشيد…
كل شيء يذوي في الحكمة الأبدية
يتحول العالم سريعاً
إلى وردة من الضياء لا يدركها الخيال
وقلب صاف من قطع البلور
تنبض فيه قصائد الحب….
عنما قرأت قصيدة: نشيد الأرض و الخلود للشّاعر منير مزيد ،وجدتني أستحضر في مخيّلتي كلّ ما تيسّر لي معرفته عن تكوين الأرض ،و عن ظهور الحياة على سطحها،و قصّة وجود الإنسان على هذا الكوكب: ما جاء منها في الكتب السّماويّة ، و ما جاء في الأساطير.و حضرني بعض ما ارتسم في ذهني من تاريخ الحضارات الإنسانيّة ،قديمها و حديثها.
مرّ بذهني هذا الشّريط المزدحم بالصّور و الأحداث ،و الأفكار و الأحاسيس ، فكأنّني أمام مأساة الإنسان الّذي يبكي على جنّته الضّائعة و يعيش حيرته الكبرى بين عقدة الذّنب ، و الحلم بالعودة إلى الجنّة المفقودة .و بين عقدة الذّنب و التّوق إلى العودة، رحلة مضنيّة ،مليئة بالآلام و الأحزان و الأوجاع،يتخلّلها من حين إلى آخر بصيص من النّور ،أو هبة نسيم عليل ، أو نفحة من الأمل.تلك هي مأساة الإنسان على هذه الأرض،صراع دائم من أجل البقاء،و صراع من أجل السّيادة ،و صراع من أجل المتعة،و صراع من أجل العظمة؛و وقود كلّ هذه الصّراعات هو الإنسان.
و الإنسان على ظهر هذه الأرض ،بحكم تركيبته الفيزيائيّة ،خاضع لقانون جاذبيتها،مشدود إلى قوانينها و نواميسها.فإذا كانت النّار و الفوران في جوف الأرض،جزء من توازنها و تماسكها ،فإنّ هذه النّار و هذا الفوران، يحكمان قانون التّوازن و التّماسك على سطحها أيضا.و ما الصّراعات بجميع أنواعها و الحروب بجميع أشكالها و اختلاف أدواتها و مفرداتها، إلاّ صورة لهذا التّفاعل الّذي هو صورة الحياة كما نراها و نعيشها.هذه الصّورة نقلها لنا الشّاعر في قصيدته:
نشيد الأرض و الخلود بحسّ آخر غير حسّنا ، و عين أخرى غير عيوننا
أفتح نافذة الأحلام
وأطل على شرفات الكون
أتأمل
أرى ما لا يبصره أحد غيري
هذا الحسّ و هذه البصيرة لا يملكها إلاّ حكيم أو فيلسوف أو نبيّ ، في عصر تشاغل النّاس فيه عن الحكمة بالجري وراء الملذّات و المتع،لذّة السّلطة /لذّة الجاه/لذّة المال/لذّة الإحساس بالقوّةأمام ضعف الآخرين ،في سباق لا يرحم، نفسه من لهب.فيتحوّل السّباق إلى مشهد دائم الاحتراق،مسرحه الأرض، و وقوده الإنسان.إلاّ أنّ الشّاعر بحكمة الحكيم و الفيلسوف و النّبيّ، يرى أنّ كلّ ما في الكون من آلام ما هي إلاّ آلام و لادة.
كل ما في الكون من آلام
آلام ولادة
و كل شيء على الأرض
نفسه من لهب
يستريح على وقدة نار
و من هنا تطفو على السّطح شخصيّة الشّاعر ،لتتغلّب على صورة الحكيم و الفيلسوف والنبيّ
فيصيح من الألم و كأنّه يحمل بداخله آلام الأرض و من عليها، و كأنّ المخاض الّذي يعيشه الكون
يستحيل إلى ثورة مكبوتة في أعماقه تنتظر ما تأكله و لكنّها تجد ما يصدّها ،لعلّها صورة الحكيم الّتي بداخله أو صورة الفيلسوف أو النبيّ ،أو لعلّها ثقافة الشّاعر الّتي و إن آمنت بعنف الثّورة فهي لا تؤمن بثورة العنف
و هوالّذي ينتمي إلى دين يدعو إلى التّآخي و التّسامح و التّكافل، دين يرى النّاس من حوله يوجّهون إليه أصابع الاتّهام ،و كأنّه - و هو في أقصى حالات الثّورة - يأبى أن يشوّه صورته.و ذلك ما يجعل فصول الحزن تتناسل
في شرايينه ،لتبقى مكبوتة بداخله، يمنعها من الانطلاق كبرياء الحكيم و الفيلسوف و النبيّ الّذي بداخله و الّذي يمنعه من استعمال مفردات الإدانة و التّحريص،و التّعريص، و الذمّ، الّتي لا تستسيغها نفسه الرّقيقة و الأبيّة، و لا حس الشّاعر المرهف الّذي يسكنه.
يا دوامة العالم المضطرب…!
يا شجرة الحياة المثمرة بالأوجاع…!
كل فصول الحزن تتناسل في شراييني
والفكرة شرارة لا تجد حطباً في الموقد
و يلتقي الشّاعر مع الأرض في أكثر من صفة ، بل لعلّه يصبح ندّا لها .فهو في ما يحمله في داخله من ثورة كالأرض لو أخرجت ما في جوفها لدمرت كلّ شيء لذلك هي متوازنة و متماسكة تبوح بخيراتها و تكتم ثورتها.أليست هي الأمّ الرّؤوم الّتي تحنو على أبنائها، و تثور عليهم أحيانا لتؤدّبهم.ثمّ ها هي الأرض تدور ،تركض وراء الشّمس ، و هو مثلها تماما تماما يدور و يركض خاف الرّغبة.لا غرابة في ذلك ما دام يعيش على ظهرها و يأكل من خيراتها ، و بضرب في مناكبها.و لا غرابة ايضا أن يقف ندّا لها ،لأنّ كلاّ منهما يحمل هموم الأخر و كلاهما يحمل هموم العالم بشروره و مآسيه ،و آماله و أفراحه.و كلاهما أيضا يجرى وراء المجهول
الأرض تدور… تركض
وراء الشمس…
وأنا أركض … ألهث
وراء الرغبة …
كلانا أعيانا السعي
وراء دخان…
كلانا متعب ومجهد
من عفن السنين …!
هذه الصّورة ، صورة الأرض الّتي تدور بدون هدف ،و لا تستريح ،و على ظهرها الإنسان الّذي ما فتئ يركض و يلهث وراء الرغبة بحثا عن الخلود. هذه الصّورة ،تذكّرنا بمأساة سيزيف الّذي ضلّ يحمل الصّخرة إلى أعلى الحبل لتتدحرج إلى الأسفل فيعيد حملها لتتدحرج من جديد .
إذا هي مأساة وجوديّة يعيشها الشّاعر مع الأرض،فكلاهما لا يعرف غايته و لا يدركها .و كلاهما مجهد من عفن السّنين،و كلاهما أيضا يشكو من ظلم الإنسان و سعيه الدّؤوب لنشر الدّمار و الخراب .فبهذا المعنى أضحى كلّ منهما ضحيّة الشّر الّذي بطله الإنسان، و ضحيّته الإنسان و الأرض معا.لكنّ الرّغبة في الحياة و مقارعة الشرّ،
لا يمنعان الشّاعر من البحث عن الحياة ،و في جوهرها الصّافي ليرتقي و إيّاها من عالم النّسبيّة إلى عالم الحقيقة المطلقة .لذلك ،كان للماء دلالتان :الأولى كونه عنوان الحياة ، و الثّانية صفاء الجوهر و هو ما يحقّق درجتين من الارتواء أولها بيولوجيّ يتعلّق بالبقاء و الثّاني روحيّ يتعلّق ببلوغ حالة التّجلّي للحقيقة في جوهرها ،وهي حقيقة الوجود.و لكنّه للأسف ، لا يحقّق هذا و لا ذاك،فكأنّه يعدو وراء سراب.
























